بسم الله الرحمن الرحيم
للتعرف على طبيعة الحركة الاخبارية نحتاج الرجوع قليلا الى الوراء عند ملاحظة كيفية تطور الفكر و الفقه الشيعيين و العوامل التي ساعدت على ظهور الحركة الاخبارية.
نجد ان مدرسة الحديث التي تدعي الاخبارية الانتساب اليها ـ و يعترض على هذا الانتساب جملة من الاعلام منهم الشهيد الصدر (قدس) كما هو واضح في المعالم الجديدة للاصول ـ (1) أنها سيطرت على المناخ العلمي و المراكز الثقافية الشيعية بشكل واسع منذ اوائل الغيبة الصغرى حتى النصف الثاني من القرن الرابع. بيد ان نفوذ هذه المدرسة راح يضعف يوما بعد يوم في العقود الاخيرة من هذا القرن. بظهور طبقة جديدة من المتكلمين الاقوياء امثال المتكلم و الفقيه الشيخ محمد بن محمد بن النعمان البغدادي المعروف بالشيخ المفيد فقد قدم نقد شديد لمنهج اهل الحديث السطحي حيث استطاع في نهاية المطاف ان يحقق نجاحا كاملا في تثبيت اركان مدرسته و تنحية مدرسة الحديث عن السلطة العلمية و يذكر البعض انه مما ساعد المفيد على نجاح مهمته فقد كان للمحدثين آراء في الائمة غير مقبولة لدى عامة الشيعة فقد كانوا يرفضون نسبة أي امر غير طبيعي اليهم و ينسبون الى الغلو من يؤمن بان النبي مصون عن السهو و الخطأ.
فقد تمكن المفيد من خلال نقده الشديد لاستاذه الصدوق و القميين القائلين بمقالة المحدثين ان يهزمهم و يثبت أركان مدرسته التي يتقدمها هو و السيد المرتضي و الشيخ الطوسي. يسند فقه المتكلمين الى القواعد الاصولية الكلية ويقوم على أساس الاحاديث الثابتة الصدور عن الائمة و اما الاخبار المشكوكة الصدور فلا يعتمد عليها في الاستنباط و جرى حوار حول اي من اخبار الآحاد يمكن الاعتماد عليها فقد ذهب السيد المرتضى الى عدم الاخذ بها مطلقا و انما يحتاج الحديث لاثبات صدوره الى بينة و ذهب الاخرون الى اعتماد خبر الواحد في شروط معينة كأن يكون محفوف بالقرائن التي تثبت صحته.
و لما جاء الشيخ الطوسي تمكن ان يجمع بين مدرسة الحديث و مدرسة المتكلمين لما يحمل من قدرات فائقة، ففي الوقت الذي اعتمد فيه القواعد العقلية في الاستنباط كذلك اعطى للحديث دوره فتمكن من تصحيح الكثيرمن روايات الآحاد و اعتبار السند المعتبر مصححا للحديث. و يمكن ان يقال ان الشيخ الطوسي اصبحت له مدرسة خاصة هيمنت على الساحة العلمية فترة طويلة بعد اكثر من التأليف في مختلف صنوف العلم أنذاك .
ويقال استفاد من الفقه السني و أصوله و هو يحاول الرد عليه، كما هو واضح في كتابه المبسوط و الخلاف.
بقيت مدرسة الشيخ الطوسي هي السائدة الى زمان ابن ادريس الذي وجه مجموعة من النقود و الاعتراضات الى الكثير من المسائل التي يطرحها الشيخ الطوسي في كتبه و فتح بعمله هذا باب النقد و التحقيق و الخروج من حالة التقليد. و تمكن الفقه الشيعي ان يتقدم خطوات حتى جاءت مدرسة العلامة و المحقق الحلي لترسي قواعد الفقه الشيعي و تثبت اركانه و اضافت اليها مدرسة الشهيدين فروع و منهجية جديدة.
و في مطلع القرن الحادي عشر ظهر على مسرح الفقه الشيعي احد العلماء غير مساره و سار به مسارا غير الذي كان متعارفا لدى الامامية، فقد انكر الاجتهاد و اعتبره من البدع التي اخذت من العامة، و جاء في كتابه الفوائد المدنية في معرض نقده للاجتهاد و الاصول الذي يعتبر الركن الاساسي لمدرسة الاخبارية «أول من غفل عن طريقة اصحاب الأئمة و اعتمد على فن الكلام و على اصول الفقه المبنيين على الافكار العقلية المتداولين بين العامة فيما أعلم محمد بن احمد بن الجنيد العامل بالقياس و حسن بن علي بن أي عقيل العماني المتكلم، و لما أظهر الشيخ المفيد حسن الظن بتصانيفها بين يدي اصحابه و منهم السيد الاجل المرتضى و رئيس الطائفة شاعت طريقتهما بين متأخري اصحابنا قرنا فقرنا حتى وصلت النوبة الى العلامة الحلي فالتزم في تصانيفه اكثر القواعد الاصولية للعامة ثم تبعه الشهيدان و الفاضل و الشيخ علي رحمهم الله تعالى.
و اول من زعم فيما أعلم أن اكثر أحاديث اصحابنا المأخوذة من الاصول التي ألفوها بامر اصحاب العصمة و كانت متداولة بينهم و كانوا مأمورين بحفظها و نشرها بين اصحابنا لتعمل بها الطائفة لاسيما زمن الغيبة الكبرى ـ اخبار آحاد خالية عن القرائن الموجبة للقطع بورودها عن اصحاب العصمة ـ محمد بن ادريس الحلي تجاوز الله عن تقصيراتي و تقصيراته و لاجل ذلك تكلم على اكثر فتاوى رئيس الطائفة المأخوذة من تلك الاصول. (2) و يعارض السيد الشهيد الصدر (3) مزاعم الاخبارية هذه من ان جذور الحركة الاخبارية يعود تاريخها ـ كما تدعيه لنفسها ـ على لسان المحدث الاستربادي عندما يقول ان الاتجاه الاخباري كان هو الاتجاه السائد بين فقهاء الامامية الى عصر الكليني و الصدوق و لم يتزعزع هذا الاتجاه إلا في اواخر القرن الرابع و بعده حين بدأ جماعة من علماء الامامية ينحرفون عن الخط الاخباري و يعتمدون على العقل في استنباطهم و يربطون البحث الفقهي بعلم الاصول تأثرا بالطريقة السنية في الاستنباط ثم أخذ هذا الانحراف بالتوسع و الانتشار و لا يقبل الشهيد الصدر ما استفاده المحدث الاسترآبادي.
و بهذا الصدد هناك كلام للعلامة الحلي جاء فيه التعبير عن فريق من علماء الامامية بالاخباريين و يستدل بهذا النص على سبق الاتجاه الاخباري تاريخيا. و لكن الشهيد الصدر يرى هذا التعبير يشير الى مرحلة من مراحل الفكر الفقهي لا إلى حركة ذات اتجاه محدد في الاستنباط فقد كان في فقهاء الشيعة منذ العصور الاولى علماء اخباريون يمثلون المرحلة البدائية من التفكير الفقهي و هؤلاء هم الذين تحدث عنهم الشيخ الطوسي في كتابه المبسوط، و عن ضيق الفهم و أقتصارهم في بحوثهم الفقهية على اصول المسائل و انصرافهم عن التفريع و التوسع في التطبيق . و في النقطة المقابلة لهم الفقهاء الاصوليون الذين يفكرون بذهنية اصولية و يمارسون التفريع الفقهي في نطاق واسع.
«فالاخبارية القديمة اذن تعبر عن مستوى من مستويات الفكر الفقهي لاعن مذهب من مذاهبه .» (4) فقد اقفلت هذه الحركة باب البحث في الاسانيد و المتون و قالت لم تعد الحاجة الى علم الرجال و لا علم الاصول. و رغم ان المحدث البحراني اخباريا الا انه ليس متطرفا لذا فأنه نقد الاخبارية المتطرفة و يقول في ترجمة الامين الاسترآبادي : كان فاضلا محققا مدققا ماهرا في الاصوليين و الحديث إخباريا صلبا و هو أول من فتح باب الطعن على المجتهدين و تقسيم الفرقة الناجية إلى إخباري و مجتهد و أكثر في كتابه الفوائد المدنية من التشنيع على المجتهدين، بل ربما نسبهم الى تخريب الدين و ما أحسن و ما أجاد و لا وافق الصواب و السداد لما قد ترتب على ذلك من عظيم الفساد و قد اوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه في كتابنا الدرر النجفية و في كتابنا الحدائق الناظرة (5) .
و قد انتشر كتاب الفوائد المدنية بشكل سريع في الحواضر الاسلامية التي تتواجد فيها المدارس الشيعية.
يقول محمد تقي المجلسي المتوفى (1070ه) و هو احد العلماء الاخباريون في شرحه على [ما لا يحضره الفقيه] باللغة الفارسية: ألف مولانا محمد امين الاسترآبادي كتابا بأسم «الفوائد المدنية» ألفها بعد الاشتغال بمطالعة الاخبار المروية عن الائمة المعصومين، ثم ارسل كتابه هذا الى معظم البلاد وقد تلقاه اكثر علماء النجف و كربلاء بالتحسين و القبول و مضوا على نهجه و الحق أن أكثر ما أفاده محمد امين حق لامرية فيه (6) . و حتى لانطيل و المعركة بين الاخباريين و الاصولية طويلة.
و قد لخص لنا الشيخ جعفر السبحاني فكرة الاخبارية بالنقاط التالية:
(1) عدم حجية ظواهر الكتاب الا بعد ورود التفسير عن ائمة اهل البيت عليهم السلام لما ورد من الاحاديث الناهية عن تفسير القرآن بالرأي أولا و طروء مخصصات و مقيدات على عمومه و خصوصه ثانيا.
(2) نفي حجية الاجماع من دون فرق بين المحصل و المنقول.
(3) نفي حجية حكم العقل في المسائل الاصولية و عدم الملازمة بين حكم العقل و النقل.
(4) إدعاء قطعية صدور كل ماورد في الكتب الحديثية الاربعة من الروايات لاهتمام أصحابها بتلك الروايات فلا يحتاج الفقيه إلى دراسة أسنادها أو تنويعها إلى الاقسام الاربعة المشهورة : (صحيح ـ حسن ـ موثق ـ ضعيف) كما قام به إبن طاووس و تبعه العلامة.
(5) التوقف عن الحكم اذا لم يدل دليل من السنة على حكم الموضوع و الاحتياط في مقام العمل فالتدخين الذي كان موضوعا جديدا آنذاك توقف عن الحكم فيه و روعي الاحتياط في مقام العمل بتركه (7) .
و نقل صاحب الروضات عن المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن الحاج صالح السماهيجي البحراني الذي هو احد الاخباريين في القرن الثاني عشر أنه ألف رسالة في المسائل الضرورية و أنهى ما بين الاخباريين و المجتهدين من الفروق اربعين فرقا. (8) و لخص حسن الأمين في دائرة المعارف الشيعية المجلد الثاني هذه الفروق نأخذ منها ما لم يذكره الشيخ السبحاني، و هي:
فأوجب الاصوليون الاجتهاد كفاية و اوجبوا على العامي تقليد المجتهد و منع الاخباريون من الاجتهاد و من تقليد المجتهد و الزموا الرجوع الى الامام بالرجوع الى الاخبار عنه للاخبار الناهية عن الاخذ بآراء الرجال و عن القياس و القائلة بأن دين الله لا يصان بالرأي و عقول الرجال ولا بالقياس و ان أصل أصول الدين من غيرنا و لم يرد به نص من أئمتنا .
منعه الاصوليون ابتداء و اختلفوا في جوازه دواما و نظرهم في ذلك الى ان التقليد على خلاف الاصل و لم يقم دليل على جواز تقليد الميت و قال الاخباريون ان الحق لا يتغير بالموت و الحياة، و حلال محمد حلال الى يوم القيامة و حرامه حرام الى يوم القيامة.
بعد هذا العرض السريع للاتجاهين الاخباري و الاصولي فالنرى موقف المولى النراقي من ذلك، فالمعروف انه استفاد من المدرستين و حضر عند اساتذة المدرستين اثناء وجوده في كربلاء التي كانت تعد معقل الاخبارية آنذاك. فيمكن ان يقال ان شيخنا النراقي عاش الخط الاول في المعركة.
و يمتاز العلامة النراقي (قدس) بصفة الوسطية و كأنها منهج في حياته حتى صارت ملكة من ملكاته النفسية فهو بعيد عن التطرف في فكره وفي حياته العملية. فجاءت نظرياته على هذا المنوال فنجده في الاخلاق يتبنى نظرية معتدلة و في الصراع بين المدرستين لم يذهب مع الاخباريين الى ما ذهبوا اليه من التطرف في الموقف من الاصول الى درجة ان بعضهم يمسك الكتب الاصولية بمنديل، ولا مع الاصوليين الذين وقفوا من الاخباريين موقفا معاديا.
و هناك نص في جامع السعادات واضح في منحاه الوسطي فهو يقول: اتوسط بين الحكمة و الكلام و الاشراق و العرفان و اجمع بين الاستدلال وتصفية النفس في العبادة و الرياضة فلا تكن متكلما صرفا لا تعرف سوى الجدل و لا مشائيا محضا اضاع الدين و اهمل. و لا متصوفا استراح بدعوى المشاهدة و العيان من دون بينة و برهان، و كن في العلوم الشرعية متوسطا بين الاصول و الفروع فلا تكن اخباريا تاركا للقواعد القطعية و لا اصوليا عاملا بقياسات عامية. (9) و هذا نص واضح و صريح يوضح شخصيته الوسطية.
الهوامش:
1) المعالم الجديدة للاصول السيد الشهيد الصدر ص .79
2) الفوائد المدنية ص .30
3) المعالم الجديدة في الاصول ص .80
4) المعالم الجديدة في الاصول ص .80
5) لؤلؤه البحرين شرح المواقف ص .118
6) تاريخ الفقه الاسلامي و أدواره ص .393
7) تاريخ الفقه الاسلامي و ادواره، الشيخ جعفر السبحاني ص .385
8) روضات الجنات 4/ 250 ، 1/ .127
9) جامع السعادات ص .73