من أهم ما امتاز به فكر المحقق النراقي الأول (قدس) هو الناحية الموسوعية فلم يدع بابا من أبواب المعرفة السائدة في عصره ألا و طرقه و صنف في هذه الأبواب ما استطاع من مصنفات .
فقال عنه صاحب الروضات (كان من أركان علمائنا المتبحرين مصنفا في أكثر فنون العلم و الكمال. مسلما في الفقه و الحكمة و الأصول و الأعداد و الأشكال. (1) و قال عنه الزنوزي المعاصر له في رياض الجنة (عالم كامل فاضل صالح جليل محقق مدقق عادل حافظ متبحر فقيه حكيم متكلم مهندس معاصر ماهر في أكثر الفنون الإسلامية و غيرها من سائر الملل و الأديان.) (2) و من شدة شغفه في التعرف على مختلف العلوم تعلم العبرية ليتعرف على المعارف التي دونت بها. لا سيما الكتب المقدسة عند اليهود و النصارى و له حوارات علمية مع علمائهم و لم تقتصر معارفه و لا كتاباته على المعارف الإسلامية المعهودة من الفقه و الأصول و الحكمة و الأخلاق بل تعدى إلى المعارف الطبيعية المتداولة في عصره في الهندسة و الرياضيات و اللغة و الأدب و الفلك و له كتاب في قراءة الكف و من أراد أن يطلع على المعارف التي طرق بابها شيخنا النراقي الأول فعليه أن يقرأ كتابه مشكلات العلوم و الذي هو عبارة عن كشكول تضمن لقطات من أصناف المعارف المختلفة و عندها تشعر بطول باعه في مختلف الفنون . و تعرف من خلال ذلك كيف أنه موسوعي. و من هنا نحاول أن نلتقط من بعض ما تعرض له من معارف و ألف فيه. و لنبدأ بالفلسفة.
للعلامة النراقي الأول (قدس سره) كتابات متعددة في الفلسفة. منها جامع الأفكار في الالهيات و جاء في مقدمته للكتاب ما يلي: (و بعد يقول أضعف المحتاجين مهدي بن أبي ذر النراقي نور الله قلبه بنور اليقين و جعله من الصادقين المقربين هذا يا إخواني ما أردتم من أصول المعارف الحقيقية و جوامع العقائد اليقينية من العلم بالله و صفات كماله و معرفة أسمائه و نعوت جلاله و ما يتلوهما من المباحث الإلهية العالية و المطالب الحقة المتعالية مما يرتقي به إلى منازل الأخيار و يعرج به إلى عوامل العقول و الأنوار و يتوجه به إلى شطر كعبة الملكوت و يسلك به إلى صنع عالم الجبروت و قد بعث الله السفراء لأجله و انعقد اجماع الأمة على وجوب أخذه فيلزم على الكل حمله و لا يسع لأحد جهله و أسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه و يحرسه عن غير أهله و لاشتماله على جميع الأفكار الالهية و نقدها سيما ما تعلق بالشرح الجديد للتجريد من الحواشي و سميته (جامع الأفكار و ناقد الأنظار) و رتبته على مقدمة و مقالات) و الكتاب الآخر في هذا الباب هو (قرة العيون) في أحكام الوجود و الماهية فبعد أن طرح آراء القوم في تلك المسائل و ناقشها و جاء في آخر الكتاب ليبين مختاره في تلك المسائل و هو ما يلي (في أخذ النتيجة من المطالب السابقة المثبتة بالدليل و هي مختارنا في مسألة الوجود هي قرة عيون أرباب العلم) فنقول:
مفهوم الوجود، أي، ما يخطر بالذهن في أول الأمر، أمر اعتباري انتزاعي يعبر عنه بالفارسية «هست» و مرادفاته، و هو الوجود المطلق، و هو مشترك معنوي بين جميع الأشياء كما بين في المبحث الثاني، و ليس موجودا خارجيا، بل له أفراد حقيقية موجودة في الخارج و هو يقول عليها بالتشكيك و هي أمور بسيطة مختلفة الحقائق فالوجود العام أمر انتزاعي إلا أن له أفرادا حقيقة كالشيء بالقياس إلى أفراده من الأشياء المخصوصة. فنسبة مفهوم الوجود إلى أفراده كنسبة مفهوم الشيء إلى أفراده و هذه الأفراد ليس لها أسماء مخصوصة بل هي مجهولة الأسامي و شرح أسمائها: وجود كذا و كذا، و الوجود الذي لا علة له، و الجميع المشترك في انتزاع الوجود العام عنها. و الماهيات معلومة الأسامي و الخواص إلا أنه ليس لها تحقق خارجي في حدود أنفسها و واحد من أفراد هذه الوجودات فوق التمام و قائم بذاته، و وجوده عين ذاته، و ذاته بحسب صفاته ليس له علة و سبب، بل هو علة الكل و واجب الوجود و سائر الوجودات هي، الممكنات و ليس وجوداتها عين ذواتها بل لها ماهية و وجود و الأصل في التحقق الوجود دون الماهية كما ثبت في المبحث السادس، بل الماهية أمر اعتباري مع قطع النظر عن الوجود نعم بعد الانظمام بالوجود يصير متحققة بالتبع كما تقدم استدلالا و مثالا، و الوجود و الماهية متحدان في الخارج، ليس بينهما مغايرة، نعم يحصل التغاير في اعتبار العقل، و لكل منهما تقدم على الآخر، لا بمعنى التأثير، اذ لا معنى لتأثير الماهية في الوجود، لأنها ما لم يصر موجودة لا يصير مؤثرة، و قبل الوجود ليست شيئا و لا معنى ايضا لتأثير الوجود في الماهية اذ المجعول بالذات هو الوجود دون الماهية بل تقدم الوجود على الماهية عبارة عن اصالته في التحقق و متبوعيته، و تقدم الماهية على الوجود عبارة عن صحة ملاحظة العقل اياها مع قطع النظر عن الوجودين الخارجي و الذهني، و بهذا الاعتبار يصير الوجود نعتا لها، و إلا فالتحقق للوجود دون الماهية لكونها أمرا اعتباريا. او نقول تقدم الماهية على الوجود هو تقدمها على الوجود الانتزاعي المصدري و تقدم الوجود عليها هو تقدم الوجود الحقيقي و الوجود الذي هو نعت للماهية هو الوجود بالمعنى المصدري و وجودات الممكنات معلولات للوجود الواجبي و ليس المعلول بالذات هو الماهية و لا اتصافها بالوجود و لا الوجود المطلق بل المعلول هو افراد الوجودات التي هي حقائق متحققة في الخارج كما ثبت في المبحث السابع، و بعد اتحادها ينتزع منها الماهيات و الجود المطلق و هي افراد متعددة مختلفة متحققة في الخارج و لا دخل لها بالوجود الواجبي سوى اشتراكها معه في اتنزاع الوجود المطلق منها.
و بهذا يظهر بطلان ما نسب الى الصوفية و بطلان ذوق المتألهين و مذهب المتكلمين.
ثم ان حقيقة الوجود اظهر الاشياء من جهة و أخفاها من جهة، اما اظهريتها فمن جهة انه يعلم بديهة انه ما به التذوت و التحقق في الخارج و لهذا ينتزع منها الوجود المطلق الذي هو بديهي التصور لانه بمعنى الظهور في الاعيان الذي يعبر عنه ب: هست ـ و مرادفاته و اما كونه اخفى الاشياء فمن جهة حقيقته فإنه مجهول الكنه من جهة الحقيقة، و لذا اتفق العقلاء على ان حقيقة الواجب مجهول الكنه لانه صرف الوجود و قد صرح بذلك اكابر الصوفية ايضا.
قال الشيخ الاعرابي في كتابه المسمى ب [عنقاء المغرب] :
«معرفة ذاته، جلت عن الادراك الكوني و العلم الإحاطي اغطس الغاطس ليخرج ياقوته الاحمر في صدفها الازهر فيخرج الينا من قعر ذلك البحر صفر اليدين مكسور الجناحين مكفوف العين اخرس لا ينطق، مبهوت لا يعقل فسئل بعدما رجع اليه النفس و خرج من سدنته الفلس فقيل له ماراعك و ما هذا الامر الذي اصابك؟ فقال هيهات لما يطلبون و بعدا لما ترومون و الله لا ناله احد و لا يظمن معرفته روح و لا جسد هو العزيز الذي لا يدرك و الموجود الذي لايملك اذا حارت العقول و طاشت الالباب في تلقي صفاته فكيف يدرك ذاته؟» ثم قال: «وإذا علمت ان ثم موجودا لا يعرف فقد عرفت» انتهى.
و هذا غاية معرفة البشر كما صرح به الفارابي و غيره من الحكماء و العرفاء و نعم ماقيل :
دوربينان بارگاه الست
بيش از اين پى نبردهاند كه هست
و قال الشيخ العارف شاه نعمة الله الولي، على ما نقل عنه بعض الاعلام ما حاصله: ان الوجود عند صاحب الوجود من حيث انه وجود، اي اذا اخذ لا بشرط شيء، غير الوجود الذهني و الخارجي و غير الخاص و العام و المطلق و المقيد، و هو رفيع الدرجات، و جميع ماذكر من منازله و مقاماته.
و الموجودية انما تكون بعين الوجود، لا ـ لأمر مغاير له عقلا او خارجا، و الوجود بحسب الظهور في المظاهر اظهر الاشياء، و من حيث الحقيقة اخفاها.
و قال الشيخ صدر الدين القونوي في كتاب [مفتاح الغيب] : «إعلم ان الحق هو الوجود المحض الذي لااختلاف فيه، و انه واحد وحدة حقيقية لا يتعقل في مقابلة كثرة، و لا يتوقف تحققها في نفسها، و لا تصورها في العلم الصحيح المحقق على تصور ضد لها، بل هي بنفسها ثابتة مثبتة.
وقولنا: وحدة، للتنزيه و التفخيم ـ للتفهيم ـ خ ل ـ لا للدلالة على مفهوم الوحدة على نحو ما يتصور في الاذهان المحجوبة» انتهى.
و قد صرح غيرهم ايضا من العرفاء: و كما ان حقيقة الواجب مجهول الكنه لكونه صرف الوجود، كذلك حقائق وجودات الممكنات مجهولة الكنه. و السر ما عرفت من انه حقيقته انه في الاعيان، و المعلوم من الاشياء حدا او رسما، هو ماهيتها دون وجوداتها.
ثم لايخفى انه لما كان حقيقة الواجب مجهول الكنه غيرمعلوم لاحد فاطلاق لفظ الوجود عليها ليس بحسب الحقيقة و الواضع اللغوي، بل للتفهيم لأجل مناسبة بينهما و هي ان الوجود العام البديهي الذي هو موضوع له حقيقة للفظ الوجود مفاض من الواجب و هو مع ذلك كالمرادف للذات عندهم.
قال الشيخ صدر الدين القونوي ـ رحمه الله ـ في [مفتاح الغيب] : «فللوجود إن فهمت اعتباران . احدهما ـ من كونه وجودا فحسب و هو الحق و انه من هذا الوجه كما سبقت الاشارة اليه لا كثرة فيه و لا تركيب ولا صفة و لانعت و لا رسم ولا نسبة و لا حكم بل وجود بحت. و قولنا : وجود هو للتفهيم لا ان ذلك اسم حقيقي له» انتهى.
و قال بعض العرفاء الموحدين ما حاصله: ان المستفاد من كلام الصوفية ان لفظ الوجود و الذات عندهم كالمترادفين لان الترادف الحقيقي ما يكون بحسب الوضع لا بحسب اصطلاح مخصوص و سبب اطلاق لفظ الوجود على الواجب تعالى، ان العقل اذا ارادان يعبر عن ذاته المقدس بلفظ يلاحظ ان يختار له من بين الالفاظ ما هو اعظمها. و ذلك كما ان الفرس رأوا ان اعظم الدوائر منطقة الفلك الاعظم و قد قسموها الى اثني عشر قسما و عمدة الاقسام هي الاوتاد الاربعة لان قوام الدائرة بها و هي الاول و العاشر و السابع و الرابع. فلأجل المناسبة بين قوام الدائرة بهذه الاقسام الاربعة و قوام الوجودات بالذات الاقدس، جمعوا حروف هذه الاقسام الاربعة فصار ـ ايزد ـ فأطلقوه على الذات الاقدس. و كذلك الحكماء و الصوفية لما رأوا ان للوجود تقدما ذاتيا على جميع الموجودات، لأنه ان فرض ان لشيء معية للوجود فان شيئان يفرض تقدم احدهما فيحكم البتة بتقدم الوجود لان احاطته و انبساطه ازيد من إحاطة جميع الامور المحيطة لان كل ما يعرض يعرض بنحو من الوجود سوى نفس الوجود فانه معروض بنفسه لا لغيره. و ايضا: اول ما يدرك من الاشياء بالبصيرة ما يعبر عنه بالثبوت و الكون و ـ بودن ـ و مرادفاتها و بعد ذلك يدرك التشخص. و هذا الامر اعني: الثبوت و مرادفاته زائد في الموجودات و حاصل من غيرها و في الواجب ليس من غيره فيدرك هذا الامر في الواجب احق و اقوم و اولى بل ما يدرك من الواجب منحصر في هذا فاطلقوا عليه لفظ الوجود من غير ارادة المعنى اللغوي مع شائبة الوصفية بل اطلقوا عليه للتفهيم و للاشعار على ان المدرك من ذات الاقدس منحصر في هذا الامر.
و بين عيني كون الواجب على اشرف الانحاء في الصفات و الافعال فأخذ بما يقتضيه هذه القواطع و إن لم توافق قواعد واحد من الطوائف (3) و ذكر الاشتياني في مقدمة كتاب [قرة العيون] كتابا فلسفيا آخر للشيخ النراقي الاول بأسم [اللمعة الالهية في الحكمة المتعالية] . و نقل وصف صاحب الذريعة له و هو «اللمعة الالهية في الحكمة المتعالية للمولى مهدي بن ابي ذر النراقي المتوفى 1209ه في خمس لمع:
1ـ الوجود و الماهية.
2ـ الافاضة.
3ـ اثبات الواجب و صفاته.
4ـ أحوال النفس و نشأتها.
5ـ النبوة.
و يظهر أن هذا الكتاب مختصر للكتاب الاول. لان الابواب واحده و العناوين متفقة و هناك كتب اخرى في هذا الباب منها [الكلمات الوجيزة] و [انيس الحكماء و انيس الموحدين] .
و الكتاب الفلسفي الرابع في هذا المقام «اللمعات العرشية» يتكون هذا الكتاب من خمس لمعات
على الترتيب الاتي:
اللمعة الاولى: في الوجود و الماهية و بعض مالها من احوال.
اللمعة الثانية: فيما يتعلق بالمبدأ من صفات الجلالة و نعوت الجمال.
اللمعة الثالثة: في الافاضة في كيفية إيجاده و افاضاته و سائر ما يتعلق بصدور الافعال
.
اللمعة الرابعة: في النفس الانسانية و ما يتعلق بها.
اللمعة الخامسة: في النبوات و كيفية الوحي و نزول الملك.
و النراقي لا يعتبر نفسه منتميا الى واحدة من المدارس المعرفية المعهودة كما يظهر من كلامه الذي جاء في ديباجة كتابه حيث يقول: «و لا تظن اني جامد على اصول فرقة معينة من الصوفية او الاشراقية او الكلامية أو المشائية بل باحدى يدي قاطع البرهان و بالاخرى قطعيات صاحب الوحي و حامل الفرقان.
و فعلا عندما نتابع كتاباته نجد انه يختلف في بعض آرائه حتى مع المدارس الفلسفية التي ينسب إليها، ففي الوقت الذي يعتبر منتميا الى مدرسة الشيرازي و الفيض الكاشاني نراه لا يقول بوحدة الوجود بل يقول بالاشتراك اللفظي.
الهوامش:
1) روضات الجنات 7/ .200
2) مقدمة جامع السعادات عن لباب اللقاب .92
3) قرة العيون ص 32 في مقدمة السيد جلال الدين آشتياني.