قاسم المالكي
عاش شيخنا الفاضل محمد مهدي النراقي في الفترة التي اشتد فيها الصراع بين الاخبارية و الاصولية و لاحظ بعينه انهزام الاخبارية امام الاصولية و يصنف شيخنا النراقي على الاصوليين و يعتبر من المشاركين في هذه المعركة لصالح الاصولية.
و هو كذلك من تلامذة الوحيد البهبهاني الاصولي الذي قاد المعركة و اكتسح الاخبارية و اخرجها من ساحة الحوزة العلمية بعد ان سيطرت قرابة قرن من الزمن.
و لا ننسى ان شيخنا النراقي تتلمذ على اساتذة اخباريين امثال الشيخ يوسف البحراني صاحب «الحدائق الناظرة» الموسوعة الفقهية الشهيرة.
و كثيرا ما كانت تجري مناظرات بين الوحيد البهبهاني و الشيخ البحراني بعد ان كان درسيهما متقاربين. و من طريف ما ينقل عن مناظراتهما انهما كانا يتحاوران في هذه المسألة احيانا حتى الصباح.
و يعتبر الشيخ البحراني من الاخباريين المعتدلين و على كل حال ان حضور شيخنا النراقي عند هذين العلمين أعطاه الخبرة و عرفه على مباني المدرستين فجعلت منه قادرا على ان يختط لنفسه الخط المناسب من غير تقليد.
و هذا ما يضفي على كتاباته اهمية كبيرة و خاصة ان شيخنا النراقي يتصف بالوسطية و لم يعرف عنه التطرف فوقوفه في صف الاصوليين له معنى خاص.
اما ما كتبه في الاصول فهو:
.1 تجريد الاصول و هو يشتمل على جميع المسائل الاصولية و قد شرحه ولده احمد النراقي في سبعة مجلدات و قد وصف هذا الكتاب بانه مختصر و شبيه بتجريد الاعتقاد للخواجة نصير الدين الطوسي في علم الكلام و لذا يصلح ان يكون كتابا درسيا و متنا قابلا للتعليق عليه بشرح او اضافة افكار جديدة اليه إذا ما حصلت لدى المعلق أو الاستاذ.
.2 انيس المجتهدين: و قد عرفه صاحب الذريعة بقوله: و رتبه على مباحث ذوات ابواب و في كل فصل ذكر بعد كل مسألة اصولية فرعا فقهيا يتفرع عليها.
و هذا يدل على نباهة علية و علمية رصينة، و هذا هو ديدنه يحاول ان يجعل من كتاباته عملية ينتفع بها و يستفاد منها فعلا وليت الاصولين ساروا على ما سار عليه العلامة النراقي من اتباع الفرع الاصولي بالتطبيق الفقهي لتخليص الاصول من الفروع التي لا تطبيق لها و بذا تكون لا نفع لها و حتى لا يستهلك الطالب في الفروع و فروع الفروع التي لا تطبيق لها و لا دور لها سوى التهام وقت الطالب و ضياعه في امور هو في غنى عنها بينما هو يحتاج كل لحظة لينتفع بها علما يواجه به مستجدات الحياة و الاجابة على الاسئلة الملحة التي اتت بها تطورات الحضارة و تجدد المدنية و جاءت بالوان المسائل التي لم يطرق بابها الفقهاء من قبل.
.3 و هناك كتاب اصولي آخر هو رسالة الاجماع و تعتبر هذه المسألة موضع اختلاف بين الاخباريين الذين يقتصرون في مصادر التشريع على الكتاب و السنة و يعتبرون العقل و الاجماع من البدع . و شنوا بذلك حملة قوية ضد الاصوليين القائلين بأن مصادر الشريعة و الاجتهاد هي الكتاب و السنة و العقل و الاجماع.
اذن مسألة الاجماع كانت في ذلك الوقت تحتاج الى علاج و إيضاح، و بتبنيه لها اصطف مع الاصوليين.
.4 كتاب جامع الاصول: و يبدو ان هذا الكتاب كان تفصيليا اكثر من سابقه و بذا لا نبالغ إن قلنا ان شيخنا العلامة محمد مهدي النراقي اصولي من الطراز الاول...