عندما يريد الباحث ان يتعرف على شخصية ما و يحيط بقدراتها العلمية و قابلياتها و استعداداتها و يريد أن يتلمس خدماتها الانسانية عليه أولا ان يعيش بوجدانه و مشاعره و عقله الظروف المختلفة التي عاشتها تلك الشخصية و العقبات التي استطاعت ان تتجاوزها و المناخ الاجتماعي و السياسي الذي نشأت فيه و أثره في صياغة تلك الشخصية.
و نحن اذ نستعين بما كتبه الشيخ محمد رضا المظفر في مقدمة كتاب (جامع السعادات) نأتي بوصف الشيخ المظفر له بقوله: (عاش شيخنا كما يعيش عشرات الآلاف من امثاله من طلاب العلم خامل الذكر فقير الحال منزويا في مدرسته لايعرف عن حاله الا انه طالب مهاجر و لا يتصل به الا اقرانه في درسوه الذين لايهمهم من شأنه الا انه طالب كسائر الطلاب يتردد في حياة رتيبة بين غرفته و مجالس دروسه ثم بعد ذلك لا ينكشف لهم من حاله الا بزته الرثة التي ألفوا منظرها في آلاف طلاب العلم فلا تثير اهتمامهم ولا اهتمام الناس.
أراد شيخنا المظفر ان يظهر حالة الزهد و الاعتداد بالنفس و العزة التي اتصف بها شيخنا المحقق مهدي النراقي، و انه لم يعتمد في بناء شخصيته العلمية و الاخلاقية و الاجتماعية على تراث ورثه عن آبائه و اجداده بل خاض غمار الحياة وحيدا و شمر عن ساعد الجد ليتجاوز كل العقبات التي واجهته بإراده و اصرار وثقة بالله و بنفسه مجردا عن وراثة الشرف و عظم الانساب.
و ادل شيء على ذلك ما نقله المرحوم المظفر من حوادث في نفس المقدمة منها:
اولا عندما تشتد به الفاقة فيعجز عن تدبير ثمن السراج فيدعوه حرصه على العلم الى الدخول في بيوت دورات المياه في المدرسة ليقرأ على سراجها.
ثانيا قصة إرجاعه اللباس الذي اهداه اياه احد الكسبة بعد ان كان معجبا به فرق لحاله، فيهأ له ملبوسا يليق بشأنه لكنه في البوم التالي ارجعه قائلا إني لما لبسته لاحظت على نفسي ضعة لا اطيقها لا سيما حينما اجتاز عليك.
ثالثا انه كان لايفض الكتب الواردة اليه بل يطرحهاتحت فراشه مختومة لئلا يقرأ فيها ما يشغل باله عن طلب العلم و يتفق ان يقتل والده (ابا ذر) فيكتبوا اليه بالنبأ لكن هذه الرسالة أخذت طريقها تحت الفراش، و لما علم استاذه بان والدك جريح لم يزد ان دعا لوالده بالعافية طالبا من استاذه ان يعفيه من الذهاب، لكن استاذه لم يعفه فأخبره بالحقيقة فسافرا امتثالا لأمره و لم يمكث في نراق اكثر من ثلاثة ايام.
و كان والده موظفا صغيرا في الدولة الصفوية في قرية من القرى التابعة الى كاشان و التي تسمى نراق و اليها نسب النراقي و لم يعرف ان كان له إخوة و لكن عرف له ولد و هو احمد النراقي المتوفى (عام 1245ه) صاحب مستند الشيعة الذائع الصيت في الفقه و هو احد اقطاب القرن الثالث عشر و احد اساتذة الشيخ الاعظم الانصاري.
و الشيخ احمد النراقي نسج على منوال أبيه في التأليف كما ذكر ذلك المظفر فألف النراقي الاب معتمد الشيعة و ألف الابن مستند الشيعة في نفس العلم و ألف الاب جامع السعادات في الاخلاق و ألف الابن معراج السعادة الذي هو تلخيص و ترجمة الى الفارسية لجامع السعادات و ذاك ألف (مشكلات العلوم) و هذا ألف (الخزائن) و هما شبيهان بكشكول البهائي، و هكذا نسج على منوال ابيه.
و لعل النراقي الابن هذا هو من اهم اسباب شهرة والده و ذيوع صيته.
و أما عصره فقد وصفه العلامة المظفر بقوله: و في الحقيقة ان هذا القرن (الثاني عشر) يمر و الروح العلمية فاتره الى حد بعيد حتى أنه بعد الشيخ المجلسي صاحب البحار المتوفى في أول هذا القرن عام 1110ه لم تجد واحدا من الفقهاء الاصوليين من يلمع اسمه و يستحق ان يجعل في الطبقة الاولى او تكون له الرئاسة العامة الا من ظهر في اواخر القرن كالشيخ الفتوني الجليل في النجف المتوفى 1183ه ثم الشيخ آقا الوحيد البهبهاني في كربلا المتوفى 1208ه الذي تم على يديه تحول العلم الى ناحية جديدة من التحقيق. (1) و يجدر الاشارة الى ان الفترة ما بعد الوحيد البهبهاني تعتبر من اخصب الفترات من ناحية تطور الفقه و الاصول و الذي تمثل بالموسوعات الفقهية و الاصولية المشهورة كالحدائق و كشف الغطاء و الجواهر و غيرها. و بذا يعتبر شيخنا محمد مهدي النراقي عاش الفترة الانتقالية من الفتور الى النشاط العلمي و من سيطرة المدرسة الاخبارية الى سيطرة المدرسة الاصولية .
كما اوضح ذلك المظفر رحمه الله حينما قال: فيبرز شيخنا المترجم له في عنفوان المعركة الاخبارية و الاصولية و ساحتها كربلاء و في عنفوان الدعوة الى التصوف و ساحتها اصفهان على الاكثر. فيكون احد ابطال هاتين المعركتين بل أحد القواد الذين رفعوا راية الجهاد بمؤلفاته و تدريسه.
اما الاحداث و الكوارث الطبيعية التي حصلت في زمانه و اثرت في وجدانه و اضافت شفافية الى شفافيته الروحية فقد وصفها في مقدمة كتابه (نهاية الافكار و ناقد الانظار) فقال لقد وقع اتمام هذا في اول يوم من شهر ربيع الاول من سنة 1193 من الهجرة المباركة و قد كان ذلك عند تراكم الهموم و الاحزان و تفاقم الغموم و الاشجان... من هجوم المصائب و المحن و تواتر النوائب و الفتن من ابتلاءنا اولا في بلدة كاشان حماها الله عن طوارق الحدثان بالزلزال الهائلة المفزعة و الرجفات المزعزعة المزعجة و إنهدام جميع الابنية و المساكن و جل البيوت و المواطن و هلاك كثير من الاصدقاء و الاحباب و ذهاب غير واحد من الاحبة و الاصحاب ثم ابتلانا بالامراض الشديدة الغريبة و الاسقام الوبائية العجيبة و احتراق فؤادي بذهاب بعض اولادي الذي تقر به عيني في ظلمات الاحزان و الهموم ثم وقوعنا في الداهية العظمى و الفتنة الكبرى اعني موت السلطان و وقوع الاضطراب و الوحشة بين اهل ايران.
هذا ما اوجزه (قدس) و تبين هناك كوارث طبيعية و احداث سياسية بالاضافة الى وجود صراعات عقائدية كما اشار الى ذلك العلامة المظفر في المقدمة لكتاب جامع السعادات و نقلنا بعضها .
و من هنا نحاول ان نتعرض للوضع السياسي و العقائدي بما يناسب المقام و بما له تأثير في صياغة فكر و شخصية شيخنا النراقي (قدس) .
عاصر الشيخ النراقي اربع سلالات من ملوك ايران ولد في نهاية السلالة الصفوية، و توفي في بداية السلالة القاجارية، و عاصر الحكومة الافشارية في الشمال و الزندية في الجنوب .
كانت بداية نشوء الدولة الصفوية على يد الشاه اسماعيل الصفوي و من سمات هذه الدولة انها ذات جذور صوفية فجدهم صفي ينتسب الى احدى المدارس الصوفية و اساس الصفويين ينتمون الى المذهب السني ثم تحولوا بالتدريج الى المذهب الشيعي.
ظلت الطبيعة الصوفية شاخصة على سيرة الدولة الصفوية و خاصة جندها (القزلباش) رغم انتقالها رسميا الى مهذب التشيع على يد الشاه اسماعيل. و مع ان الشاه طهماسب استعان بمجموعة من فقهاء الشيعة لنشر مذهب التشيع جاءوا من لبنان و العراق كالمحقق الكركي المتوفى 940ه و الشيخ حسين بن عبدالصمد الحارثي الجبعي المتوفى 984ه و بهاء الدين العاملي (2) لم تختفي ظاهرة التصوف نهائيا، و حتى بعد مجيء العلامة المجلسي الذي تمكن من اجلاء الصوفية عن اصفهان و حاصرهم ومنع اقامة اذكارهم، و حرم كل تقليد له علاقة بالتصوف، و مع موافقة الشاه حسين الصفوي على هذا الاجراء الا ان التصوف بقيت جذوره تنبت هنا و هناك بين آونة و أخرى. و كان لشيخنا النراقي نصيب في مواجهة هذه الظاهرة تجد مواقفه منها في طيات كتبه خاصة جامع السعادات (3) و الكتب الكلامية التي سالت من قلمه الشريف و من الجدير بالذكر ان الشاهات الصوفية كانت مواقفهم ايجابية على العموم اتجاه العلماء و قد قلدوا الدولة العثمانية السنية المنافسة لهم في جعل مناصب للعلماء.
فقد جعلوا منصب (الصدر) و (شيخ الاسلام) و (امام الجمعة و الجماعة) و كانت مهمات الصدر و شيخ الاسلام مهمات جديرة بالاهتمام و تظهر اهمية هذه المناصب بما سننقله لك من نصوص التعيين التي يصدرها السلطان لتنصيب العلماء في مناصبهم هذه. منها النص الذي بموجبه اصبح المحقق الكركي شيخا للاسلام من قبل السلطان طهماسب. و جاء حكم الملك طهماسب الى المحقق الكركي ما يلي: لقد قررنا ان يتخذ السادة العظام و الاكابر و الاشراف و الاسراء و الوزراء و سائر اركان الدولة المعظمون من المشار أليه قدوة و أسوة فينقادون اليه في جميع الامور و يطيعونه و ما يأمر به فهو مأمور به و ما ينهى عنه فهو منهي عنه و كل من يعزله من متصدي الامور الشرعية في الممالك المحروسة و العساكر المنصورة فهو معزول و كل من ينصبه فهو منصب و لايحتاج عزله و تنصيبه للمذكورين الى امر آخر و كل من يعزله لا ينصب مادام ذلك الشخص المحترم لم ينصبه ذي الحجة عام 939ه (4) و من هذا النص نلاحظ ان التصدي لهذا المنصب فرصة مناسبة للعالم المسؤول ان يؤدي دورا هاما في المجتمع و باب مفتوح لمن اراد ان يدخله بحكمة ليصل الى اهدافه من نشر الدين و تعاليمه و تطبيقها.
و في نفس الوقت يكون هذا المنصب خطر لو تصدى له من ليس له اهلا. و ما اكثر من تصدى لهذا المنصب من ليس له اهلا كما سيظهر من كلام احمد النراقي نجل الملا مهدي النراقي في العائدة التي كتبها في خصوص ولاية الفقيه.
و هذه المناصب استمرت الى ما بعد سقوط الدولة الصفوية على ايدي الافغان.
الا انها لم تبقى بتلك القوة و انما اختلفت باختلاف الحكومات التي اعتلت العرش في ايران و اصبحت بين مد و جزر.
فبعد فترة الاضطراب التي حصلت بسقوط الدولة الصفوية الى مجيء نادرشاه ففي هذه الفترة سيطر الافغان الذين ينتمون الى المذهب المخالف للشيعة لذا فإن علماء الشيعة اصبحوا مطاردين، اضطر الكتبر منهم للهجرة الى العرق بعد ان سفكت دماء بعضهم و انتهكت حرمات بعض آخر و بقي الامر على هذا الحال الى مجيء نادرشاه.
بعد ان استطاع نادرشاه ان يطرد الافغان و يوحد بلاد ايران تحت سيطرته. حاول التقرب من العلماء ليضفي على حكومته الشرعية الا ان محاولاته لم يكتب لها النجاح التام، . فرد عليهم باجراءات تعسفية فأعلن تجريدهم من حقوقهم و امتيازاتهم قائلا «إن صلواتكم لم توقف الكارثة في ايران على يد الافغان، و ان جهودكم في صد الغزاة لا تذكر و لن تنالوا مرضاة الله، اما جنودي فسينالون اجرا أعظم و منزلة ارفع عند الله لأنهم قاتلوا و صمدوا أجل إنهم أحق منكم باموالكم» فصادر اموال الوقف و الغى منصب الصدر و شيخ الاسلام و حدد صلاحيات جميع محاكم الشرع» (5) .
فكانت له محاولة للتقريب بين السنة و الشيعة، و التي حاول من خلالها ان يجعل المذهب الشيعي مذهبا خامسا بشكل رسمي بالاتفاق مع الدولة العثمانية الا ان الاخبرة رفضت ذلك فأدى الى فشل هذه المحاولة، و كان يهدف من ذلك امرين: معادلة المواقف السلبية من العلماء و الحصول على اعتراف رسمي بالمذهب الامامي كبقية المذاهب الاسلامية الاخرى.
بعد صراع طويل على السلطة بين الاطراف المتنازعة اسفر عن اغتيال نادرشاه و اختفاء كريم خان عن مسرح الاحداث السياسية و انتقال السلطة الى الاسرة القاجارية و قد واجهت السلطة انقسامات مذهبية و عقائدية و اطماع بريطانية و اعتداءات حدودية من جهة روسيا و الدولة العثمانية.
و كان للعلماء دور واضح في مواجهة هذه الاحداث فواجهوا الصوفية و الاخبارية و دعوا الى الجهاد لوقف الغزو الروسي و حذروا السلاطين من الدسائس و المؤامرات الخارجية.
و لم تكن علاقة العلماء بالسلاطين على و تيرة واحدة تتحسن حينا و تتدهور اخرى. و عموما كانت افضل مما كانت ايام نادرشاه و الدولة الافشارية فقد اعيد منصب صدر و شيخ الاسلام و امامة الجمعة و الجماعة و كانت علاقة فتح علي شاه بالعلماء جيدة خاصة بالعلامة الميرزا ابوالقاسم القمي في ايران و العلامة السيد مهدي بحر العلوم في العراق. و يبدو ان الايجابية من قبل بعض العلماء مع الشاهات لم تكن على اساس الثقة التامة، و إنما على اساس مصلحة الاسلام التي تتطلب وجود نوع من العلاقة بينهم، و في نفس الوقت كانوا يأخذون جانب الحذر و الاحتياط في التعامل مع النظام و السلطان.
مثال ذلك ان الميرزا القمي، في الوقت الذي بجد ان الشاه ينزل له من عربته و يمسك زمام حماره و يقوده حتى مرقد السيدة المعصومة احتراما له نجد ان الميرزا القمي عندما طلب السلطان منه ان يزوج ابنه من احدى بنات السلطان كان جواب الميرزا ان يتضرع الى الله تعالى ان يقبض روح ابنه حتى لايتم هذا الزواج، و يقال انه فعلا غرق ابن الميرزا الوحيد في الماء و لم يتم الزواج. (6) و مثاله الاخر العلامة احمد النراقي الذي يعتبر من خاصة فتح علي شاه الا انه كان يندد بالمظالم التي يئن منها الشعب الايراني مما آثار حفيظة فتح علي و سخطة (7) .
و بصورة عامة ان أساس العلاقة من قبل السلاطين مع العلماء بمقدار مايدعم سلطانهم ويثبت اركان حكمهم لذى نجدهم مثلا يوما مع الاخيارية و يوما آخر ضدها حسب مصالحهم.
و هذا الامر جعل العلماء ينقسمون في مواقفهم اتجاه السلطة الزمانية الى ثلاث مواقف:
اولا الموقف الواضح و هو التزام التقية و عدم الاصطدام بهم و اغتنام فرصة القرب منهم و تقبل المناصب التي يعهدون بها اليهم مثل شيخ الاسلام و الصدر و امام الجمعة و الجماعة ليبلغوا من خلالها الاحكام الشرعية و أداء وضيفة الامر بالمعروف و النهي عن المنكر. .. و كان البعض منهم كتب لهم ما يمكن ان يقال عنه فقه الدولة كالذي كتبه المحقق الكركي .
و كانت هذه العلاقة بين مد و جذر و حسب الظروف و طبيعة الحكام و مايمر به من احداث و حاجته و استفتاءه للعلماء و كذلك الى طبيعة العالم الذي يرجع اليه الحاكم او نال منصبا من المناصب المذكورة.
و القسم الثاني ارتبط بالبلاط و المناصب ارتباطا تغلب عليه النفعية فيتصرف وفق ارادة الملك و السلطة التي ارتبط بها.
و هذا النوع كان سببا للملاحظات و النقد للعلماء الذين لهم نوع علاقة مع السلاطين و من غير تمييز بين النافع و الضار من هذا الارتباط.
و القسم الثالث العلماء المستقلون الذين لم يتسنموا منصبا و لامسؤولية من قبل السلطان و هؤلاء تتفاوت مواقفهم بين الافراط و التفريط و الاعتدال بالنسبة للسلاطين و من ارتبط بهم من العلماء.
يمكن ان نعد شيخنا محمد مهدي النراقي من هذا النوع و من صنف المعتدلين في علاقته مع السلطات الزمنية فقد كان امام جمعة و جماعة في كاشان من غير تعيين (8) و كان يسعى في قضاء حاجات الناس و حل مشاكلهم طبقا لامكاناته الخاصة و يعيدا عن السلطة و من غير ان يصطدم بها.
هذه لمحة موجزة عن الظروف السياسية التي عاصرها الشيخ النراقي الاول...
الهوامش:
1) مقدمة الشيخ محمد رضا المظفر لكتاب جامع السعادات.
2) دائرة المعارف الاسلامية الشيعية، حسن الامين: 4 / .22
3) جامع السعادات ص .180
4) دائرة المعارف الاسلامية الشيعية، حسن الامين 7/30 نقلا عن رياض العلماء 3 / 456 و روضات الجنات 4 / .464
5) الفقهاء حكام على الملوك ص 59، حديقة الزوراء في سيرة الوزراء، لعبدالرحمن السويدي ص .69
6) غنائم الايام للميرزا القمي المقدمة ص 43ـ .44
7) الفقهاء حكام على الملوك ص 67، الهامش.
8) مقدمة قرة العيون.